واثق علي محي المنصوري

المستخلص                                    

        برزت صناديق الثروة السيادية على الساحة العالمية فجأة, في أواخر عام 2007 , عندما حصلت صناديق الثروة السيادية خلال بضعة أشهر فقط على أسهم في مؤسسات مالية عالمية رئيسة تزيد قيمتها على 60 بليون دولار .وفي عالم المال الذي يحركه كل ماهو جديد,كانت صناديق الثروة السيادية هي النجوم الجديدة . وقد هرعت بلدان مثل روسيا والمملكة العربية السعودية ,وإن كانت متأخرة ,إلى إنشاء صناديق الثروة السيادية الخاصة بها ,وقامت في جوهر الأمر بإعادة توجيه جزء من احتياطياتها من العملات الأجنبية إلى ذراع أسهم خاصة تسعى إلى تحقيق عائدات مرتفعة في أسواق الأسهم الدولية.

 

     لقد تركز الكثير من النقاش على القلق والمخاوف وآمال البلدان المتلقية : ماالذي تريده صناديق الثروة السيادية حقا؟ وماهو تأثيرها على البلدان المضيفة؟ وكما ستتم مناقشته أدناه , كان مفهوم الحوكمة , بقدر ماهو غامض , مفيدا لاسترضاء النقاد وتبرير الحاجة إلى سياسات الانفتاح أو الحماية , لكنه لايقدم تفسيرات كافية .ولكي يتم فهم صناديق الثروة السيادية,سيكون في حاجة إلى متابعة البيئة السياسية والاقتصادية المتغيرة للبلدان التي تمتلك هذه الصناديق إذ ليس للصناديق جوهر ثابت , وهي تتغير مع صعود وهبوط أسعار النفط.

 

       وكذلك ظهور صناديق الثروة السيادية ودورها في الاقتصادين القومي والدولي أثار جدلية بخصوص الآثار الايجابية والسلبية في ظل تحليل غير مستقر لطبيعة هذه الصناديق واجه في الدول المختلفة ضوابط مختلفة أثار مشكلة وجدل كبير في مجال أهمية ودور صناديق الثروة السيادية في الاقتصاد الكلي وفي مجال تحقيق هدف التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية وإمكانية استخدامها كوسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ومحاولة تنويع مصادر الدخل الوطني.

     ولما كانت صناديق الثروة السيادية بهذه الأهمية من حيث كونها أسلوب متقدم لاستيعاب الفوائض المالية بغية ادخارها واستثمارها وتنويع مصادر الدخل الوطني وضمان العدالة التوزيعية بين الأجيال إذ أن أسباب وموجبات نجاحها متوفرة ,لذا فأن نجاحها بالعمل كمنظم اقتصادي متقن من حيث الآلية والعمل موجودة وبقوة في ظل المعطيات الاقتصادية الدولية ,من اقتصاد السوق الحر وحرية انتقال رؤوس الأموال دوليا وتطور وسائل الاتصالات والمواصلات وتقنية المعلومات والاهم هو تطور الكفاءات البشرية. وتتأتي أهمية البحث في وقت يشهد الاقتصاد العالمي التطور السريع لظاهرة صناديق الثروة السيادية وظهورها كمنافس للمستثمرين المؤسسيين الآخرين مثل صناديق التقاعد ,صناديق المضاربة,وهو مايتطلب التعرف على هذه الصناديق ومحاولة تقييم مساهمتها في الاقتصاد العالمي واشتداد الحاجة إلى دراسات في مجال صناديق الثروة السيادية ,تتطلب من الباحثين التصدي لها,ذلك للوصول إلى المعرفة العلمية الوافية مما يعزز الاستفادة من هذا الفرع الجديد من العلوم الاقتصادية ألا وهو (اقتصاد الثروة السيادية).وقد اعتمد البحث منهجين الأول, الوصفي وذلك لتقديم صورة واضحة لكل جانب من جوانب البحث ووصف الظاهرة كما هي تجري في الواقع ,ثم منهج تحليل المضمون من خلال           تحليل المعطيات المتوفرة تحليلا علميا وموضوعيا ومعبرا عن الحقيقة الواقعية كما هي للوصول إلى النتائج المنطقية التي يفرضها منطق تحليل الأسباب وربطها بمسبباتها.

 

   ولقد اكتسبت (صناديق الثروة السيادية ) أهمية متزايدة في النظام المالي العالمي ,إذ تُعد عاملاً مساعداً في معالجة الاختلالات المالية على الصعيد العالمي ,وذلك من خلال نقل الأموال من دول الفائض إلى دول العجز ,فضلاً عن كونها عاملاً مهماً في زيادة التكامل الاقتصادي العالمي.وإن مستقبل نجاح (صناديق الثروة السيادية ) مرهون بقدرتها على الإفصــاح والشفافية ونـــشر أهدافها واستراتيجياتها الاستثمارية بوضوح,وكذلك تطبيق حوكمت الشركات بدقة من خلال الحـــــــرص على   وضع مسافة كبيرة بين المالك للصندوق السيادي والإدارة التشغيلية,بحيث يقتصر دور المـــــالك على تحديد الأهداف , أما الهيأة الإدارية فوظيفتها ,تحديد الإستراتيجية والسياســـــات وهي أيضا مسؤولة عن إدارة الصندوق بطريقة مستقلة.لذلك سيتم في هذا البحث تناول الإطار ألمفاهيمي والإطار التنظيمي ثم المعياري لصناديق الثروة السيادية وصولا إلى مقترح إنشاء صندوق ثروة سيادية للعراق يرتبط بالميزانية العامة للدولة.          

                                  

     وقد تم اعتماد آلية تقسيم الدراسة إلى ثلاث فصول متكاملة من حيث التسلسل المنطقي والعملي لصناديق الثروة السيادية,فقد تم في الفصل الأول عرض تقديمي وتحليلي للإطار النظري العام للصناديق السيادية متناولا فيه الإطارات الرئيسة مبتدأً بالإطار ألمفاهيمي ثم الإطار التنظيمي وصولا إلى الإطار التشغيلي ,فالإطار المعياري الذي يطرح معايير قياس أداء الصناديق السيادية , وهكذا تم الوصول إلى النماذج الدولية للصناديق السيادية وكان ذلك في مبحثين توزعت كالأتي ,الأول تناول بالتحليل صناديق الثروة السيادية العربية مركزا على النموذج الإماراتي والثاني سلط الضوء على صناديق الثروة السيادية الأجنبية ,والتركيز فيها على الأنموذجين النرويجي والصيني , ثم تم تناول الدور الاقتصادي للصناديق السيادية في الاقتصاد الكلي وذلك في الفصل الثالث ,من خلال دورها الاقتصادي في البلد الأم والبلد المستضيف لاستثماراتها ومن ثم الدور الاقتصادي على مستوى الاقتصاد العالمي,فيما تم في المبحث الثالث عرض إمكانية إنشاء سلسلة صناديق ثروة سيادية للعراق ترتبط بالميزانية الوطنية ,وفي نهاية المطاف تم الوصول إلى الاستنتاجات ومن ثم التوصيات التي يراها الباحث ضرورية من خلال الدراسة.

       إن من بين النتائج الرئيسة لإنشاء صناديق الثروة السيادية ,هو التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية,وكذلك تحقيق مبدأ العدالة التوزيعية بين الأجيال الحالية والقادمة, وكذلك تحقيق التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل الوطني ومواجهة الصدمات الاقتصادية(السلبية والإيجابية),وصولا إلى الهدف الأسمى لكل الاقتصادات في العالم ألا وهو تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية من خلال توجيه الأموال نحو النفقات الإنتاجية بدلاً من النفقات الإستهلاكية,من خلال تشييد البنية التحتية في القطاعات كافة. وكما أن استخدام آلية صناديق الثروة السيادية,ودمجها في ميزانية الدولة ,وعّدها جزءاً لايتجزء من مالية الدولة مكن تلك الدول من تجنب الآثار الضارة للدورات الاقتصادية الرواج والكساد,ويعمل كمنظم قلب اقتصادي نابض,يضخ ويسحب السيولة النقدية وفق احتياجات الاقتصاد الوطني ,بشكل مبرمج وفعال وكذلك دمج آلية صناديق الثروة السيادية بالنظام المالي الدولي ,يؤدي إلى تخفيف وتجنب الأزمات المالية ,فهو يعمل كمنظم داخلي وخارجي للتدفقات النقدية الدولية من خلال ضبط حركات رؤوس الأموال عبر العالم.  

                                                                                                 

   وعلى المستوى الوطني (الاقتصاد الوطني العراقي ),والذي هو الهدف الأساس من البحث ,في محاولة للتفكير في طريقة لتحقيق (التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة والتي يأتي موردي النفط والغاز في مقدمتها ).من خلال وضع تصور قابل للتطبيق والذي يأخذ بنظر الاعتبار التجارب الدولية الرائدة والنموذجية في إنشاء (صناديق الثروة السيادية ) ,ومن أهمها (الأنموذج النرويجي ),ومراعاة عدم استنساخ التجارب الدولية مهما بلغت درجة رقيها ,والآخذ بنظر الاعتبار الظروف المحلية (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية ) .

 

     وذلك لأنه ليس من الضرورة أن ماينجح من أنموذج عند دولة ما ,سوف ينجح في دولة أخرى ,والعمل على تأسيس مجموعة من الصناديق السيادية المتنوعة (من حيث مصادر التمويل وسياسات الاستثمار تحقيقا لمبدأ تنويع محفظة الاستثمار , يعمل على تنظيم عملها وتنسيقه وممارسة الإشراف والرقابة عليه مجلس أعلى لصناديق الثروة السيادية ,توضع له القوانين والآليات المنظمة لعمله من خلال البرلمان ويدمج مع الموازنة الوطنية بحيث يصبح جزءا لايتجزء منها.والتركيز على الاستثمار الداخلي لكون الاقتصاد العراقي متعطش للاستثمارات في القطاعات الاقتصادية كافة,ويحتاج إلى بناء بنية تحتية للقطاعات كافة,وهذا الهدف يكون من أولويات (صندوق البنية التحتية),كما يختص (صندوق الاستقرار والتثبيت الاقتصادي بأولوية موازنة التدفقات النقدية والمالية الداخلة والخارجة وموازنة أسعار الصرف للعملة الوطنية ومعالجة الاقتصاد الوطني من أعراض المرض الهولندي من خلال تحصينه باللقاح النرويجي (آلية صناديق الثروة السيادية).وكذلك إن صناديق الثروة السيادية تفتح الأفق واسعا ورحبا نحو تأسيس (علم اقتصاد الثروات السيادية).

 

اغلاق القائمة