سارة حسن علوان

المقدمة

 

أولاً : التعريف بموضوع البحث

تمارس عقود نقل التكنولوجيا دورا مهماً وفعالاً في مجال التنمية الاقتصادية لكافة الدول بصفه عامة , والدول النامية والدول الأخذة بالنمو بصفه خاصة , ولا يُبالغ في القول بان قيام أية دولة ونهوضها يعتمدان على ما تبرمه هذه الدولة من عقود لنقل التكنولوجيا ,على اعتبار أن حاجتها إلى التنمية والنهوض تستلزم الإبرام لهذا النوع من العقود. هذا من جهة ,ومن جهة أخرى فانه لما كانت الدول النامية تفتقر للتكنولوجيا المتطورة , فقد اعتمدت في التنمية على ما يتم استيراده من التكنولوجيا المنقولة بواسطة هذه العقود , ولاسيما إذا عرفنا إن هناك تبايناً واضحاً بين دول العالم في مجال تقنية المعلومات ، حيث تسعى الدول النامية للتخلص من مشاكلها الاقتصادية لتجاوز حالة التخلف وتعويض حالة التأخير , معتمدة لتحقيق ذلك على نقل التكنولوجيا المتقدمة في مختلف القطاعات الإنتاجية.

إلا إن التحدي الحقيقي أمام هذه الدول النامية ليس مجرد جلب التكنولوجيا ذاتها والانتفاع بها ، وإنما يكمن ذلك التحدي في مدى استيعابها وتطويرها بالقدر الذي يمكنها من تنمية قدراتها التكنولوجية، وذلك لتقليل الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة ، والتي ظهرت بسبب احتكار الأخيرة للتكنولوجيا امتلاكاً وإنتاجاً ، في الوقت الذي تكون فيه دول العالم النامية غير قادرة على إنتاج وامتلاك التكنولوجيا التي تلائمها , وتدفع بعملية التنمية الاقتصادية فيها قدماً ، وليس ذلك إلا وجهاً من أوجه التبعية الاقتصادية والسياسية التي تسود العلاقات الدولية في الوقت الحاضر, وتبرز هذه التبعية بوضوح في إن مالكي ومنتجي التكنولوجيا يعملون من خلالها على مجرد نقل الحقوق الواردة على هذه التكنولوجيا , وبوجه خاص حق الاستعمال فقط دون السماح باستيعاب التكنولوجيا المنقولة أو السيطرة عليها.

ورغم محاولات الدول النامية لاكتساب ونقل التكنولوجيا الحديثة , إلا إنها لا تستطيع تعّقب مسار الدول المتقدمة صناعياً بنفس الصيغ والأساليب لنقل التكنولوجيا, فبدأت هذه الدول بنقل التكنولوجيا واكتسابها عبر طائفتين من العقود ؛ تتمثل الأولى : بعقود تداول وتسويق التكنولوجيا والتي تخرج عن نطاق هذه الدراسة , بينما تتمثل الطائفة الثانية : بعقود اكتساب السيطرة التكنولوجية , إذ إن المحل الرئيس لهذه العقود هو النقل الفعلي والحقيقي للتكنولوجيا إلى الطرف المتلقي وتمكينه من اكتساب القدرات التكنولوجية اللازمة لمباشرة وتنظيم عملية إنتاجية معينة , دون حاجة إلى تدخل الغير.

وهنا يأتي دور عقد المساعدة الفنية بوصفة من ضمن الطائفة الثانية من هذه العقود , إذ يمارس دور مهماً وأساسياً في تمكين الدولة النامية من اكتساب الخبرة والمهارة الفنية التي تجعلها قادرة بنفسها على تشغيل وإدارة التكنولوجيا المنقولة , من خلال تمكين المتلقي (الدولة النامية ) من الحصول على طاقم فني محلي على درجة عالية من المهارة قادر على استغلال التكنولوجيا وإدارة الإنتاج , حيث يتم إبرام عقد المساعدة الفنية بين شركة متعددة الجنسية تملك التكنولوجيا ودولة نامية لا تمتلكها.

وهكذا فان هذه العقود تفوق في أهميتها أهمية الاختراعات نفسها لان التكنولوجيا المنقولة بموجب هذه العقود لا تظهر فائدتها للدول الأخرى إلا بنقلها إليها , كما أن تنظيم هذه العقود قانونياً بالدرجة الأولى يجلب النفع لأطرافها والدول التي تملكها بهدف ضمان حقوقهم والتزاماتهم , ومن جانب آخر فان هذه التكنولوجيا المنقولة وحتى بعد نقلها إلى الخارج فان طريقة نقلها وشروطها لها اثر في الدول والأشخاص المتلقين لها , وقد تناولت بعض التشريعات تنظيم هذه العقود تنظيماً قانونياً على عكس المشرع العراقي الذي لم يتناول تنظيمها , فعمدت بعض التشريعات الأولى التي نظمت هذه العقود إلى تنظيمها في تشريع خاص يتعلق بتنظيم نقل التكنولوجيا وبعض الآخر عمد إلى تنظيمها ضمن أحكام قوانين أخرى كقوانين التجارة .

 

ثانياً : أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره

تحظى دراسة عقد المساعدة الفنية ، بأهمية خاصة , بوصفة آلية هامة لنقل التكنولوجيا واستيعابها بصورة كاملة من قبل الدول النامية , حيث شكلت هذه الأهمية الدافع والحافز لنا اختياره موضوعاً لهذا البحث. فعقد المساعدة الفنية واحداً من عقود التجارة الدولية الذي لا تقتصر أهميته البحث فيه على انه احد أنواع هذه العقود فحسب , بل لأنه الجديد منها والذي أثار تساؤلات عديدة ومهمة ، منها ما هو مفهوم عقد المساعدة الفنية ؟ وما هي الآثار المترتبة عليه ؟ وكيف ينقضي؟ وما هو القانون الواجب التطبيق عليه ؟ هذه الأسئلة وغيرها دعتنا إلى البحث الجدي لمحاولة الإجابة عليها. وتزداد أهمية موضوع البحث لأسباب عملية أخرى , لعل أبرزها ارتباطه بعملية التنمية التي تسعى جميع الدول إلى تحقيقها , لاسيما الدول النامية ، فالنهوض بمجتمع ما يتطلب الحصول على مزيد من وسائل التقدم والتقنية الحديثة التي لا سبيل للحصول عليها إلا من خلال عقد المساعدة الفنية.

وعلى الرغم من أهمية موضوع عقد المساعدة الفنية سواء من الناحية النظرية أو العملية , فأنه لم يحظ بما يستحقه من دراسة وافية في الفقه القانوني العراقي بالإضافة إلى إن التشريع العراقي لم يورد تنظيماً قانونياً لهذا العقد.

 

ثالثاً : نطاق البحث

تختص هذه الدراسة في بحث القواعد التي تحكم عقد المساعدة الفنية , من حيث تحديد مفهوم عقد المساعدة الفنية ، وكذلك إبرام هذا العقد بمرحلتي المفاوضات والتعاقد , وبيان أثاره القانونية , وسنقتصر في البحث على الالتزامات الرئيسة في العقد ، كما تناولت هذه الدراسة المساعدة الفنية بوصفها عقداً من العقود الناقلة للتكنولوجيا وليس شرطاً يورد ضمن العقود الناقلة للتكنولوجيا , كما وتقتصر هذه الدراسة على عقد المساعدة الفنية الذي يعقد بين مشروع متعدد الجنسية ودولة نامية , وبالتالي نستبعد دراسة المساعدة الفنية التي تتم بين دول صناعية فيما بينها. كما ستقتصر نطاق الدراسة بأن الطرف المتلقي هو الدولة أو احد مؤسساتها.

 

 

رابعاً : منهج البحث

سنحاول في هذا البحث ألا نُسهب في ذكر القواعد العامة إلا عندما يستلزم الأمر وذلك تجنباً للتكرار , ونظراً لخصوصية موضوع البحث فقد اعتمدنا منهج الدراسة القانونية المقارنة متخذين من نصوص قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999النافذ , ومشروع القانون المصري لنقل التكنولوجيا لسنة 1987 , وكذلك قانون عقد التكنولوجيا لجمهورية الصين الشعبية النافذ لسنة 1987 أساساً للمقارنة , وفي المجال الدولي ستتم المقارنة مع موقف مشروع التقنين الدولي للسلوك في مجال نقل التكنولوجيا لسنة 1985 , وسيكون عرض هذه القوانين ومشروع تقنين السلوك المذكور على وفق التسلسل المذكور في المجالات التي تناولتها من موضوع البحث , كما اعتمدنا المنهج التحليلي من خلال تحليل عدد كبير من هذه النصوص ومناقشتها في ضوء الآراء التي طرحها الفقه في هذا الصدد وترجيح الآراء السديدة منها عند الاختلاف في مسالة ما.

 

خامساً : هيكلية البحث

في ضوء ما تقدم سوف نقسم موضوع البحث إلى ثلاثة فصول نخصص الفصل الأول منها لبيان مفهوم عقد المساعدة الفنية , وسيتضمن هذا الفصل مبحثين , سنتناول في أولهما ماهية عقد المساعدة الفنية ، ثم سنبين تكوين هذا العقد في المبحث الثاني.

أما الفصل الثاني فسوف نبحث أحكام عقد المساعدة الفنية وذلك في مبحثين أيضاً ، الأول للآثار القانونية الناشئة عن هذا العقد ، أما المبحث الآخر فسنعالج فيه انقضاء هذا العقد , ثم ننتقل بعد ذلك لدراسة تسوية المنازعات الناشئة عن عقد المساعدة الفنية وهو ما أردناه أن يكون عنواناً للفصل الثالث , وسنقسمه إلى مبحثين أيضاً ، سنعرض في الأول منهما وسائل تسوية منازعات عقد المساعدة الفنية , وسيكون القانون الواجب التطبيق على العقد موضوعاً للمبحث الثاني ، وأخيراً سنختم هذا البحث بخاتمة نعرض فيها إلى أهم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها ، والمقترحات التي نأمل من المشرع العراقي أن يأخذ بها عند تنظيمه لهذا العقد.